مستخدم جديد
 
 
 
 

شهادات حية

شهادة فيصل حوراني حول اللجوء الى سوريا من روايته (الوطن في الذاكرة)
البحر والميناء،ثم الجبل،
والهدف دمشق


توجه خالي عمر منذ الصباح إلى الميناء ليتدبر أمر السفينة التي ستنقلنا إلى سورية، وبقينا نحن في الفندق في انتظاره متكومين حول الجدة، لأننا لا نعرف ما الذي يمكن أن نفعله غير ذلك. فلما عاد الخال في الظهيرة، كانت نتائج مسعاه مرسومة على وجهه،فقد حمل هذا الوجه من الأسى ما يكفي لإشاعة الحزن في قبيلة بأسرها.
جال الخال بين وكلاء السفر في الميناء. وكان أول ما عرفه الخال أن السفن التي تغادر بور سعيد أو تمر بمينائها لا يتجه أي منها إلى سورية. وفي لهفته للبحث عن حل بديل، فهم الخال أن بالإمكان التوجه من بور سعيد إلى بيروت، حيث يمكن إكمال الرحلة من هناك إلى دمشق بالسيارة. وحين أراد الملهوف أن يحجز مقاعدنا على السفينة المتجهة لبيروت، رفض الوكيل، لأننا لا نحمل تأشيرات دخول إلى لبنان. ولكي نحصل على تأشيرات كهذه، إن أمكن حقاً الحصول عليها، كان لا بد من أن نذهب إلى القاهرة لنطلبها من القنصلية اللبنانية، مع تأكيد الوكيل أنهم هناك لا يعطون تأشيرات للفلسطينيين. قد خطر للخال أن يجازف بالسفر إلى القاهرة، فاصطدم بحقيقة أن تأشيراتنا المصرية لا تبيح له السفر إليها، بل تحدد خط عبورنا بمصر بين العريش وبور سعيد، فقط، وليس من المستبعد، إذن، أن يتعرض الخال للاعتقال في واحدة من نقاط التفتيش المنتشرة بين بور سعيد والقاهرة، خصوصاً لأن السلطات في مصر لا ترحب بالفلسطينيين.
وهكذا، انتصبت أمامنا مشكلة بحجم جبل شاهق الارتفاع مقفل المسالك. فالسفر من بور سعيد متعذر، والبقاء فيها بانتظار مكاتبة الجد ليتدبر أمر دخولنا إلى لبنان متعذر هو الآخر، لأن التأشيرة المصرية أعطتنا ثلاثة أيام فقط .أما العودة من بور سعيد إلى غزة فمتعذرة، أيضاً، إذ إنها تتطلب الحصول على تأشيرة عودة، ونحن لم نحصل عليها حين غادرنا، ولا يمكن الحصول عليها إلا بعد مراجعة المخابرات الحربية ومكتب الحاكم العسكري للقطاع، وكلاهما في القاهرة. وكان قد بقي أمامنا يوم واحد أو يومان، ليس غير، لنتدبر حلاً يخرجنا من هذا القفص الكاتم للأنفاس، وقد أمضينا هذا اليوم في كمد لا يوصف دون أن نهتدي، بالطبع، إلى أي حل.
في صباح يومنا الثالث في الفندق، وكنا نجلس حول الجدة حزانى، لا يعرف أي منا ما الذي سيحمله اليوم الجديد، اقتحم صاحب الفندق الحجرة محنقاً، وأبدى دهشته لأننا لم نغادر منذ الأمس مع أن تأشيرة إقامتنا انتهت صلاحيتها. وقد همّ خالي عمر بأن يقول شيئا، إلا أن الجدة سبقته وهي تخترق الرجل بنظراتها الغاضبة: "أليس في قلبك شفقة؟ أين نذهب؟!". وحين أبدى الرجل استعداده للاستماع، شرح له خالي عمر معضلتنا. ولم يكن الرجل، كما اتضح لنا، خالي القلب تماماً من الشفقة، فقد انصرف، بعد أن فوض أمره وأمرنا إلى الله. وتوهمنا أننا كسبنا وقتاً وكان الخال يحاول أن يتدبر الأمر بالرشوة، وكان قد تلقى وعوداً غامضة لكنه لا يعول عليها. وكانت الجدة قد أظهرت الاستعداد لدفع أي مبلغ يطلبه من يحل المشكلة، حتى لو اضطرت لبيع حلية من حليّها العزيزة. غير أن وهمنا لم يلبث أن تبدد بقسوة، فقد ظهر بعد قليل رجلا بوليس أبلغا إلينا أن علينا أن نغادر البلد. وحين تساءلنا:إلى أين؟ وكيف؟ قال كبير الرجلين:" هذا شغلكم، أما شغلنا فهو ألا تبقوا في البلد".عندها، أعلنت الجدة بذلك الحزم الذي لا يقدر عليه إلا اليائس أننا لن نتحرك من مكاننا إلا إذا أمنوا هم سفرنا ولو إلى جهنم الحمراء. وبعد هذين الرجلين، جاء ضابط، وجاء غيره، وصرنا حكاية انشغل بها البوليس ونزلاء الفندق ووكلاء السفر في الميناء. وفي النهاية، فرضت السلطة حلها: أخذنا البوليس عنوة إلى الميناء، وهناك ختمت وثائق سفرنا على عجل، ثم ألقوا بنا على رصيف في المنطقة الحرة، وقالوا: "الآن،تدبروا أمركم!".
          انتقلت حكايتنا معنا إلى الرصيف الحُرّ هذا. وهناك، أمضينا أياماً وليالي لا أتذكر عددها. لم يكن ثمة سقف يؤوينا تحته، فأقمنا في العراء. ولم يكن ثمة مكان نشتري منه الطعام، فأكلنا مما جاد  به المشفقون علينا من العابرين وبحارة المراكب. وأسعفتنا الألواح الخشبية المرمية هنا وهناك على الرصيف فافترشناها في أوقات النوم كما أسعفنا دفء الطقس فلم نحتج إلى الأغطية. وصار لنا بين البحارة،وخصوصاً بحارة المراكب الصغيرة، معارف بل أصدقاء يهتمون بأمرنا. يذهب هؤلاء في رحلاتهم القصيرة ويعودون فيجدوننا حيث تركونا. ويجود علينا هؤلاء بشيء مما يحملونه وهم ذاهبون أو مما يفرغونه وهم عائدون.
في هذه الظروف، يغيض الإحساس بتمايز الأشياء والأوقات، فتتساوى جميعها، وتتسطح المشاعر، فلا يعرف المرء إن كان سعيداً أو تعيساً، ولا يهتم إن كان المحيطون به أخياراً أو أشراراً، ولا يتبين القسوة من اللطف، ولا العطف من السخرية، يفقد المرء الأمل واليأس معاً وتستوي أمامه المصائر، فلا يهمه إلى أين سينتهي.
     وكنا قد وصلنا إلى حالة فقدان الوزن هذه ففقدنا الاهتمام بالمصير، حين جاء من أعادنا إلى أصل الحكاية وأعاد لنا الأمل بالعودة إلى عالم الناس الأسوياء.
صاحب مركب صغير، كان بحارته يشحنونه بصناديق المانجو ونحن نراقبهم، أقبل علينا متئداً، وجلب صندوقاً فارغاً وضعه قبالتنا وجلس عليه. ألقى الرجل السلام بنبرة محايدة، وطرح الأسئلة المعتادة عن الصحة والمزاج، ثم أخرج من جيبه غليوناً ضخماً وحشاه بالتبغ وهو يتابع نظراتنا التي تتابع حركته. ومع أول الأنفاس، راح الرجل يتحدث عن الطقس حديثاً كادت رتابته تفلقنا. وبالرغم من أن نظرتنا كانت تشي باستغرابنا لمسلكه، فقد تجاهل الرجل دهشتنا فكأنه ليس هو المعني بها. ومن الطقس،انتقل الرجل للسؤال عن أحوالنا، وجه أسئلته بالنبرة المحايدة ذاتها فكأن ليس في أحوالنا ما هو شاذ، وأفرط الرجل في طرح الأسئلة واستقصاء التفاصيل دون أن يبدو عليه أنه يخرج عن إطار المجاملات التي يزجيها لناس غرباء رجل عازم على إمضاء الوقت إلى أن يفرغ بحارته من شحن المركب. ثم نهض الرجل بالحركة الوئيدة التي جلس بها، وظننا أنه فرغ منا، لكنه قال فجأة دون أن تظهر نبرته أنه يعرض أمراً غير عادي:" ستسافرون، الناس لبعضها، فلا تقلقوا!".
     كم كان طيباً الريّس عثمان هذا. لقد جاء إلى الميناء ليهيئ للسفر مركبه الذي ينقل الفواكه بين بور سعيد وبيروت. وسمع الرجل بحكايتنا، وشاء أن يتيقن بنفسه من جدية حاجتنا للسفر قبل أن يغامر بنقلنا دون تأشيرة، فجاء يطرح الأسئلة ليستخلص الجواب. واختلى الريّس عثمان بخالي عمر خلوة قصيرة تم خلالها ترتيب الأمر: سينقلنا الرجل على ظهر مركبه إلى بيروت دون مقابل، وهناك نغادر المركب لحظة وصوله قبل أن يفطن رجال الأمن، وعلينا بعد ذلك أن نتدبر أمرنا مع السلطات، وكانت نصيحة الرجل: مفتاح التدبير رشوة كبيرة.
      ضحى ذلك اليوم، حين انطلق بنا مركب الريّس عثمان، كانت نفوسنا قد غدت أطرى من النسائم التي تتماوج في الجو وتليّن حرارة شمس حزيران/ يونيو الساطعة. حتى الجدة، أشرق وجهها ببهجة طغت على الكمد الذي كسا هذا الوجه طيلة الأيام الماضية فتألق بمظاهر عافية لم أشهدها فيه منذ غادرنا المسمية. وغالب نفسه تأثر باللفتة المفرطة في الكرم، فاستنفر عربيته الفصيحة التي يلجأ إليها في الحالات غير العادية، ووجه للريّس عثمان عبارات شكر منمقة، ثم راح يطوف بين البحارة ويحكي لهم عن مكارم الأسرة التي ننتمي إليها ويعدد أمجادها. وأنعش الفرج الذي تيسر لنا مزاج خالتي شفيقة، فأطلقت لسانها بالثناء على شهامة الريّس عثمان وطيبة بحارته، فعلت ذلك بصوت مرتفع متعمدة أن يسمعه الجميع، وحين تيقنت من أنهم يستمعون إليها وجهت أنظارها ناحية البحارة بالتتابع، ورفعت إلى السماء دعوات حارة طالبة من الرب أن يغمر هؤلاء الناس الطيبين بأفضاله وأن يجنبهم أي مكروه. ولم يجد خالي عمر المتأثر بما حصل أكثر منا جميعاً ما يقوله سوى أن يحمد الرب، وأن يكرر الحمد، ويطلب منا أن نحمده، أيضاً.
      وعندما انفلت المركب من حشد السفن والمراكب الأخرى المكتظة في مياه الميناء وصارت بور سعيد وقناة السويس خلفنا، انعطف ناحية اليمين واتخذ مساره المستقيم في عرض البحر. هنا، تحلق البحارة على ظهر المركب حيث نجلس نحن في زاوية من زواياه ليتناولوا غداءهم. وقبل أن يشرعوا في الأكل، حمل واحد منهم إلينا طعاماً وفيراً، لحماً وخضاراً ومخللات وفاكهة، فكانت وجبة لم نظفر بمثلها منذ شهر رمضاننا الأخير في المسمية. فأكلنا كما يأكل من طال بهم أمد الجوع، وأفرطنا في الأكل حتى أتخمنا بطوننا. وراق مزاج الجدة، فراحت تدندن بأغنية عن السفر. كانت الأغنية حزينة، تحمل معانيها لوعة البعد عن الوطن وتوق الغريب للعودة إليه. ولكن، أن ينحل تزمّت الجدة فتغني، حتى لو كان الغناء عن لوعة الفراق، فهذا إشارة طيبة. وقد كان اللحن على كل حال جميلاً، فسرى في روحي وهدّأ نفسي المتوترة، فاستسلمت للنوم ورأسي في حجر الجدة.
         لم أدرِ كم طالت إغفاءتي، ولكن قرص الشمس كان ما يزال مرتفعاً حين صحوت. أيقظتني مغصة مؤلمة لوت أحشائي، وتطلعت فلم أجد أحداً في المطرح الذي أضطجع فيه، فأقمت ظهري وتلفتّ حولي باحثاً عن الآخرين، محاولاً أن أستعيد صلتي التامة بالمشهد الذي أنا فيه. ودهمتني مغصة أخرى،  فنهضت واقفاً على وقع الألم. عندها، لمحت خالي عمر واقفاً إزاء الزاوية المقابلة، مولياً وجهه ناحية الماء ومدلياً رأسه باتجاهه، وجسده يهتز في حركة توحي بأن الخال يقذف ما في جوفه. وبين موجتين من الاهتزاز، التفت الخال ناحيتي، و أشار إلى معدته. ودهمتني الرغبة ذاتها على نحو مفاجئ. وقد امتلأ فمي بالقيء قبل أن أبلغ الحاجز.
   هاجمنا دَوّّار البحر، نحن الخمسة. وساءت حالتنا، بعد ساعات، فقط، من إقلاع المركب. لقد ظهرت الأعراض أول ما ظهرت على الجدة وأنا نائم في حجرها، فاهتم الريّس عثمان بأمرها اهتماماً كبيراً. وإذ لم يكن في المركب من الحجرات إلا قمرة الريّس والحجرة الأخرى التي يستخدمها البحارة ويحشدون فيها حاجاتهم الخاصة، فقد تخلى الريّس عن قمرته للجدة وأمر بنقلها إليها. ثم توالى ظهور الأعراض على الآخرين، فكنت، أنا النائم، آخر من ظهرت عليه أعراض الإصابة. وهكذا، انضممنا إلى القمرة الواحد تلو الآخر. وجاءنا البحارة بما ننام عليه، وتناوبوا الإطلال علينا وتفقد أحوالنا وتأمين حاجاتنا. كان الأمر بالنسبة لنا شنيعاً، فقد تناوشتنا الرغبة في القيء طيلة النهار والنهار الذي تلاه وعلى مدى ليلتين. وكنت أرى كل شيء حولي يدور، أو أحسني دائراً حول كل شيء كأني معلق على أجنحة مروحة لا تكف عن الحركة. وكلما تناولت سائلاً أو طعاماً، عافته معدتي فقذفته على الفور. وفي جو القمرة، كان الأمر مريعاً، فقد امتلأت خياشيمي برائحة المانجو النفاذة، فعفتها وتمنيت أن أتخلص منها، إلا أنها ظلت تحاصرني. وتهيأ لي أن ضيقي بهذه الرائحة هو الذي يسلمني إلى الدوار ويدفعني إلى التقيؤ، فتفاقم إحساسي بالضيق وأنا أدرك أن لا مجال للفكاك من المانجو في هذا المركب المعبأ بها. وهكذا، صار صحوُنا آلاماً ومنغصات وليلنا كوابيس مزعجة، على مدى نهارين وليلتين.
   وفي صباح يومنا الثالث على المركب، صحونا معافين تماماً كأن شيئاً لم يكن، بل كأن الآلام التي مضت ليست سوى وهم. وجاءنا البحارة الطيبون بفطور مهيب: شاي كثير وأجبان وزيتون وعصير مانجو طازجة. وأقبلت على الوجبة بنهم، وملأت معدتي من كل شيء،  إلا من هذا العصير من المانجو الذي لم أطق رائحته فلم أجرؤ على الاقتراب منه. وجاء الريّس عثمان بغليونه الداخن، فحيانا بمودته الهادئة، وهنأنا بالسلامة، وأبلغ إلينا أننا نعوم الآن بالقرب من الشاطئ اللبناني، ولن يطول الوقت حتى نبلغ بيروت. ونصحنا الرجل بأن نصعد إلى ظهر المركب:" الهواء الطازج ينفعكم، وستتفرجون". كان الريّس، وقد أشرفت الرحلة على نهايتها، بحاجة إلى قمرته، فحملنا صررنا وانتقلنا إلى فضاء السطح.
رأينا على يميننا بلدة قال أحد البحارة إنها صور، فهتف خالي عمر:"لعنة الله على المرض، فاتنا أن نرى الساحل الفلسطيني". لقد عُمْنا طيلة اليومين الماضيين في موازاة من هذا الساحل دون أن نلمحه، وها نحن نعوم بحذاء صور، ثم صيدا، ونتجه إلى بيروت، ونلمح القرى المنتشرة على الساحل أو المعلقة على سفوح المرتفعات وهاماتها، فلا نحس بأكثر مما يحس به العابر الذي يشده الحنين إلى ما خلّفه وراءه، ولا يجتذبه ما يحيط به.
     ثم أقبلنا على ميناء بيروت، وتهاوى المركب على صفحة الخليج، وشق طريقه بين المراكب العائمة فيه، إلى أن رسا بجانب الرصيف. هنا، بدأت مشكلتنا بأسرع مما توقع الريّس عثمان. فقد كان ثلاثة من رجال البوليس اللبناني، ضابط وعسكريان، في الانتظار على الرصيف. وقد صعد الضابط إلى المركب على الفور. وكان الضابط يتبادل تحيات مرحة مع الريّس عثمان وبحارته حين وقع نظره علينا متكومين بجانب صررنا ومتهيبين من ظهوره المفاجئ على المركب. أوقف الضابط دفق مجاملاته، وتساءل وهو يشير ناحيتنا:"هذه ليست مانجو، من هؤلاء؟"، فأجاب الريّس عثمان مراوغاً:" معارف، جئنا بهم إلى بلدكم الجميل، أحبّوا أن يتفرجوا على البلد، وسيذهبون إلى سورية".
 قال الريّس عثمان عباراته، ثم حاول أن يشغل ضابط البوليس بالحديث عن شؤون المركب. غير أن الضابط الذي لم ير في هيئاتنا أي شيء يدل على أننا طلاب فرجة لم يؤخذ بحيلة الريّس، بل تقدم نحونا وبدأ بتوجيه الأسئلة دون أن يحيينا.
    حزر الضابط للتو أننا فلسطينيون مهاجرون، وقد تهيأ له أن مركب الريّس عثمان توقف في غزة، والتقطنا من هناك. واتضح خلال الجدل الذي اشترك فيه الريّس عثمان أن مراكب كثيرة تجيء إلى لبنان حاملة فلسطينيين من قطاع غزة يقولون إنهم جاءوا للالتحاق بأسرهم في لبنان أو سورية. وقال الضابط إزاء رجاء الريّس له بتسهيل الأمر إن هذا صعب، لأن لديه تعليمات مشددة بهذا الشأن. وتبين أن وجود دورية البوليس غير المتوقع على هذا الرصيف له علاقة بتنفيذ هذه التعليمات التي تستهدف منع تسلل المهاجرين إلى لبنان. فلما أوضح الريّس عثمان أننا لا ننوي الإقامة في البلد وأننا سننتقل فوراً إلى سورية، أجاب الضابط:" كلهم يقولون هذا عندما يصلون". وبدا من تشدد الضابط أننا في ورطة لا مخرج منها. بل إن هذا الضابط نفسه قال بعبارة صريحة :"ستبقون في المركب تحت الحراسة، وتعودون فيه إلى حيث يعود". وشفع الضابط قوله بإشارة منه إلى رجلي البوليس فصعدا إلى المركب ليقوما بمراقبتنا. هنا، أجهشت خالتي شفيقة بالبكاء، ولكزت الجدة ابنها عمر ليقول شيئاً للضابط، غير أن الخال همس بهذا الشيء في أذن الريّس، فهز هذا رأسه و أشار إلينا حاثاً إيانا على الصبر. انتحى الريّس عثمان بالضابط جانباً وتهامس الاثنان فترة، ونحن نرقبهما، دون أن يصل حديثهما إلينا وإن ظهر أن الحديث شائك. ثم رجع الضابط إلينا بوجه خفّت صرامة قسماته، وبدأ يستنطقنا من جديد. ودارت الأسئلة هذه المرة عن الديانة والأسماء والأعمار وأسماء الأقارب الموجودين في سورية وأين يسكنون وبأي وسيلة سننتقل إليهم ومتى، وما شابه من هذه الأمور. أجاب خالي عمر عن الأسئلة بالتفصيل، وسجل الضابط الإجابات. وفي غضون ذلك، انفرد الريّس عثمان بالجدة وقال لها شيئاً، ولما دنوت منهما كانت الجدة تفكّ الصرة العزيزة التي تدخر فيها ليراتها الذهبية.
تلقى الضابط ليرات الجدة التي ناوله إياها الريّس عثمان. وضعها في جيبه بحركة خاطفة، ثم قال بعد أن عدها بأصابعه وهى في الجيب موجهاً الكلام للريس:" لا تظن أنها لي وحدي، هناك كثيرون لا بد من إغماض عيونهم". ولانت نبرة الضابط وهو يقول لنا:"ابقوا هنا حتى أرجع إليكم. سأبذل جهدي أصعب ما في الأمر هو ديانتكم".
      نهار عسير آخر أمضيناه في انتظار أن تفلح مساعي الضابط مع رؤسائه. ظل هذا الضابط يسعى بيننا في المركب وبين الرؤساء في مكاتبهم، طيلة ساعات. وتوجب على الجدة أن تفكّ صرتها مرة أخرى. كما توجب على الريّس عثمان أن يصحب الضابط ليضيف حنكته إلى تأثير الليرات. وفي نهاية مطاف استنفدت خلاله أعصابنا ونضبت ليرات الجدة، أمكن تدبير الأمر. وقد وافق الرؤساء على أن تنقلنا سيارة أجرة من رصيف الميناء مباشرة إلى سورية، شريطة أن نستأجر السيارة بمعرفة البوليس، وأن يرافقنا إلى الحدود رجل بوليس ندفع له أجرة عودته إلى بيروت، وأن لا تتوقف هذه السيارة في أي مكان في لبنان.
      وهكذا، قدر لي أن أركب التاكسي للمرة الثانية في حياتي. ولكم اختلفت هذه المرة عن تلك التي في القدس، فلا فرح في هذه المرة ولا رغبات. تسللنا إلى التاكسي محاذرين أن تلتقي نظراتنا بنظرات المحيطين بنا وهم لا يخفون دهشتهم إزاء التناقض بين السيارة الفخمة وركابها الحفاة وصررهم البائسة. وبوجود رجل البوليس معنا، لم نجرؤ حتى على تبادل الكلام في ما بيننا. وسارت بنا السيارة على أطراف بيروت، فلم نرَ المدينة، ولا كانت بنا رغبة لرؤيتها. ثم ابتدأ التصعيد في درب الجبل المتلوي، وتتالت القرى وصولاً إلى قمة الجبل. وتلا ذلك الهبوط باتجاه السهل الممتد على الناحية الأخرى. هنا، قال رجل البوليس موجهاً خطابه إلينا لأول مرة منذ ابتداء الرحلة: "الحدود قريبة". ولم تطل وقفتنا عند الحدود، فقد تولى الرجل بنفسه إنهاء المعاملات اللازمة فيما بقينا بانتظاره في السيارة، ثم عاد بالأوراق، وقبض أجرته، وفارقنا بغير وداع. وعلى الحدود السورية، لم تكن هناك مشكلة حقيقية، كل ما في الأمر أننا انتظرنا وقتاً طويلاً إلى أن تمكنوا من الاتصال بدمشق والتأكد من أن إذن الدخول الذي نحمله ما يزال صالحاً. وبعد الكثير الذي عانيناه، لم نجد في هذا الانتظار ما يدعو إلى التذمر. وحده السائق كان برماً، ولكنه انتظر مثلنا. وكانت هجعة الليل تفرد هيبتها حين دخلنا دمشق.
      لم يكن معنا عنوان. ولم نعرف أن العنوان ضروري للاهتداء إلى الدار التي يسكنها الجد.
كان كل ما فينا من طاقات قد استنفد، فلم تبق لنا قدرة على الفرح أو الحزن أو حتى القلق. خلّفنا وراءنا حياة تعددت فيها الألوان وتنوعت المشاعر. وها نحن نُقبل على عالم جديد، لا نتبين ألوانه ولا نتعرف على مشاعرنا إزاءه. إنها خانة الصفر، أو هي دون الصفر.

 

 

©2005 جميع الحقوق محفوظة لرغم الحدود
للحصول على افضل عرض للموقع يفضل إستعمال انترنت إكسبلورر 6 بإحداثيات العرض 1024*768