إحياءً لذكرى الدكتور هشام شرابي
يعتبر الدكتور هشام شرابي أحد أبرز المفكرين والنشيطين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وهو أحد مؤسسي مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون. توفي الدكتور هشام شرابي بمرض السرطان في 13 كانون ثاني/ يناير في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت عن عمر يناهز السابعة والسبعين.
ولد هشام لعائلة ثرية وأمضى سنوات طفولته في يافا وعكا، درس في مدرسة الفرندز في رام الله وفي الجامعة الأمريكية في بيروت حيث تخرج عام 1947 بعد حصوله على درجة البكالوريوس في الفلسفة، ومن ثم درجة الماجستير عام 1949، والدكتوراه في تاريخ الثقافة من جامعة شيكاغو عام 1953. بدأ نشاطه السياسي في عمر مبكر عندما انضم إلى الحزب الاشتراكي الوطني السوري عام 1947. ولقد تأثر هشام شرابي كثيراً بقائد الحزب أنطون سعادة الذي استطاعت جاذبيته وصرامته وإصراره الذي لا ينحني خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أن تنال إعجاب وثقة هشام شرابي. ولقد وثق سعادة بهشام شرابي وأبدى اهتماماً بشخصيته الواعدة.
وبينما كان هشام شرابي يدرس في الولايات المتحدة وقعت فلسطين بين أيدي القوات الإسرائيلية عام 1948. وبناءً على أمر من سعادة، عاد هشام عام 1949 ليواصل نشاطاته مع الحزب الاشتراكي الوطني السوري وأصبح محرراً لمجلة الحزب الشهرية الجيل الجديد. وفي حزيران/ يونيو من ذلك العام قام النظام اللبناني باتخاذ إجراءات صارمة ضد الحزب الاشتراكي الوطني السوري واعتقل غالبية أعضاء الحزب وأعدم أنطون سعادة. عاد بعدها هشام إلى الولايات المتحدة بعد أن استطاع الفرار إلى الأردن ليكمل دراسته. وفي عام 1953 بدأ يدرس التاريخ في جامعة جورج تاون، وأصبح يحتل منصب أستاذ في الجامعة خلال أحد عشر سنة فقط. وفي عام 1955 أنهى هشام رسمياً انتسابه إلى الحزب الاشتراكي الوطني السوري.
وظل هشام شرابي في حالة أسماها "الصمت في المنفى" حتى عام 1967، حيث كان يكتب وينشر باللغة الإنجليزية حسب المتطلبات الأكاديمية فقط. وكان لهزيمة عام 1967 وظهور الحركة الطلابية عام 1968 الأثر البالغ في تغيير هشام شرابي فكرياً وسياسياً. حيث ابتعد عن آرائه التحررية وأصبح يسارياً يقرأ مؤلفات ماركس وفرويد من منظور حديث ودمج هذا المنظور في تحليلاته البارزة للمجتمع العربي. وأصبح ناشطاً في مجال القضايا الفلسطينية والعربية.
انتقل هشام إلى بيروت عام 1970 للعمل في مركز التخطيط الفلسطيني والجامعة الأمريكية في بيروت كأستاذ زائر بعد أن قام بعرض العديد من المحاضرات في جامعة جورج تاون. ثم ظهرت ترجمة لمؤلفه بعنوان المثقفون العرب والغرب باللغة العربية في تلك الفترة. وكان لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية أثرها المحبط على خطط هشام في البقاء والعيش في لبنان، واضطر إلى العودة إلى جورج تاون حيث عمل أستاذاً للتاريخ الفكري الأوروبي واحتل مقعد عمر المختار للثقافة العربية.
احتل الدكتور هشام شرابي دوراً هاماً في بناء المؤسسات التي تعمل على نشر الوعي والتفاهم فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعالم العربي. ففي عام 1971 تم اختياره محرراً لمجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة عن معهد الدراسات الفلسطينية. وهو أحد مؤسسي مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون وهو المركز الوحيد الذي يكرس أعماله من أجل عمل دراسات للعالم العربي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تم تأسيسه عام 1975. وفي عام 1979 أسس هشام المؤسسة الثقافية العربية الأمريكية وألف غاليري في العاصمة الأمريكية واشنطن. وفي عام 1990 أسس مركز تحليل السياسات عن فلسطين، وهو مركز يوفر معلومات ونشرات وندوات عن النزاع العربي الإسرائيلي. وهو مؤسس ورئيس صندوق القدس وهي جمعية خيرية فلسطينية توفر المنح الدراسية للطلبة الفلسطينيين. تقاعد الدكتور هشام شرابي من عمله في جامعة جورج تاون عام 1998.
يعرف هشام شرابي بدوره ككاتب وباحث وكظاهرة نادرة كمفكر عربي يعيش في الغرب. وبالرغم من منفاه الذي استمر لمدة نصف قرن ظل على حوار فعال مع العالم العربي من خلال مساهمته الدائمة باللغة العربية والإنجليزية. وكان من المفكرين القلائل الذين تجرؤا على انتقاد المؤسسات اليسارية والوطنية وانفصل عنها من أجل إنشاء أفق معرفي جديد للمفكرين. وكان لعمله البارز مقدمة لدراسة المجتمع العربي الذي نشر عام 1975 أثراً كبيراً على المفكرين والأساتذة العرب خاصة الفلسطينيين. وتعتبر سيرته الذاتية بعنوان الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي المكونة من مجلدين والتي نشرت عام 1978 ومؤلفه صور الماضي: سيرة ذاتية الذي نشر عام 1993 من أبرز المؤلفات. ينفرد مؤلف الجمر والرماد: ذكريات مثقف عربي بصراحته ويرسم ببلاغة كلماته ونقده خبرة جيل كامل من المفكرين العرب الذين أُجبروا أو أَجبروا أنفسهم على العيش في المنفى. المؤلف مفعم بالأحلام والتحرر من الأوهام والهزيمة.
وظهر لهشام شرابي مؤلف بالإنجليزية وترجم إلى العربية تحت عنوان النظام الأبوي عام 1989 وتم ترجمة هذا العمل إلى اللغة الفرنسية ونشر عام 1996. ويعرض هذا العمل نهجاً بديلاً لفهم المجتمع العربي وكان له أثراً بالغاً على المفكرين والباحثين العرب. وتشمل مؤلفات هشام شرابي العربية الأخرى والتي ترتبط عضوياً بما تم مناقشته أعلاه عملاً بعنوان النقد الحضاري للمجتمع العربي الذي ظهر عام 1990.
وتعتبر قضية المرأة من أهم القضايا التي تناولتها أعمال هشام شرابي، حيث تأثر كثيراً وتحول من خلال دراساته للأعمال المتعلقة بالقضايا النسوية ولاحظ التقصير في القيام بعمل دراسة جدية لهذا الموضوع الذي نال وعوداً كاذبة فقط حتى من قبل المفكرين العلمانيين واليساريين. ويشكل اضطهاد المرأة حجر أساس النظام الأبوي، بالتالي فإن تحرر المرأة يعتبر شرطاً أساسياً في إسقاط هيمنة النظام الأبوي. فالمرأة هي القنبلة الموقوتة في قلب المجتمعات الأبوية.
تشمل كتابات هشام شرابي ما يلي: الحكومة والسياسة في الشرق الأوسط في القرن العشرين (بالإنجليزية) (1962)، القومية والثورة في العالم العربي (بالإنجليزية) (1966)، المثقفون العرب والغرب (بالإنجليزية) (1970)، الرحلة الأخيرة (رواية بالعربية 1987). قام أيضاً بتحرير العقد العربي التالي: مستقبل بديل (1988)، وألف النظرية والسياسة والعالم العربي: مناهج نقدية (1991).
|